الثعلبي
278
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار : ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلّا مثل سمّ الخياط ، يعني صار دكّا . وقال السدي : ما تجلّى منه إلّا قدر الخنصر . يدلّ عليه ما روى عن ثابت عن أنس عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنّه قرأ هذه الآية فقال : هكذا ، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل . وقال سفيان : ساخ الجبل في الأرض حتّى وقع في البحر فهو يذهب معه . وقال أبو بكر الهذلي : انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة . وقال عطيّة العوفي : جَعَلَهُ دَكًّا أي رملا هائلا ، وقال الكلبي : جَعَلَهُ دَكًّا أي كسرا جبالا صغيرا . قال الحسن : جَعَلَهُ دَكًّا أي ذاهبا أصلا . وقال مسروق : صار صغيرا [ كالرابية ] « 1 » . الحسن : أوحى الله تعالى إلى الجبل هل تطيق رؤيتي فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر حتّى ذهب أجمع . وقال قطرب : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ أي : أمر ربّه لِلْجَبَلِ كقوله . وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها « 2 » . وقال المبرد : معناه فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ آية لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ فعلا متعدّيا [ كالتخلّص والتبدّل والتوعد ] . وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق : حكي لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من [ وراء ] سبعين ألف حجاب ضوءا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا . وقال أبو بكر : فعذب إذ ذاك كل ماء وأفاق كل مجنون وبرأ كل مريض . وزالت الأشواك عن الأشجار وخصبت الأرض وأزهرت وخمدت نيران المجوس . وخرت الأصنام لوجهها جَعَلَهُ دَكًّا مستويا بالأرض . وقال ابن عباس : جعله ترابا . عن معونة بن قرّة عن أنس بن مالك قال : قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا : « طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة : أحد وورقان ، ورضوى . ووقع ثلاثة بمكّة ثور وثبيرة وحراء » [ 195 ] « 3 » . واختلفت القراءة في هذا الحرف ، وقرأ عاصم دَكًّا بالقصر والتنوين . والتي في الكهف بالمد ، وقرأ غيره من أهل الكوفة وحمير ( دكاء ) ممدودة غير مجراه في التنوين .
--> ( 1 ) راجع فتح القدير : 2 / 243 . ( 2 ) سورة يوسف : 82 . ( 3 ) تاريخ بغداد : 10 / 440 ، وفتح الباري : 6 / 307 .